صديق الحسيني القنوجي البخاري

576

فتح البيان في مقاصد القرآن

قال ابن عباس : في الآية قول اللّه لأهل الجنة كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [ الطور : 19 ] قال : هنيئا أي لا تموتون فيها ، فعند ذلك قالوا : أَ فَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ إلى قوله : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ، وقيل : هذا السؤال من أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت ، وقيل : من قولهم توبيخا للكفار لما كانوا ينكرونه من البعث وإنه ليس إلا الموت في الدنيا والأول أولى . إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولى التي كانت في الدنيا ، وقوله : هذا كان على طريقة الابتهاج والسرور بما أنعم اللّه عليهم من نعيم الجنة الذي لا ينقطع ، وأنهم مخلدون لا يموتون أبدا ، والاستثناء مفرغ ، وقيل : منقطع بمعنى لكن وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ كما يعذب الكفار ثم قال : مشيرا إلى ما هم فيه من النعيم إِنَّ هذا الأمر العظيم والنعيم المقيم والخلود الدائم الذي نحن فيه لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا يقادر قدره ، ولا يمكن الإحاطة بوصفه . لِمِثْلِ أي لنيل مثل هذا العطاء والفضل العظيم فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ فإن هذه هي التجارة الرابحة لا العمل للدنيا الزائلة ، وحظوظها المشوبة بالآلام السريعة الانصرام ، فإنها صفقة خاسرة ، نعيمها منقطع ، وخيرها زائل ، وصاحبها عن قريب منها راحل ، وهذا من تمام كلامه وقيل : إن هذا من قول اللّه سبحانه قاله ابن عباس وقيل من قول الملائكة والأول أولى . وأخرج ابن مردويه عن البراء بن عازب قال : « كنت أمشي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يده في يدي ، فرأى جنازة فأسرع المشي حتى أتى القبر ، ثم جثا على ركبتيه فجعل يبكي حتى بل الثرى ثم قال : لمثل هذا فليعمل العاملون » وأخرج ابن مردويه عن أنس قال : « دخلت مع النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم على مريض يجود بنفسه فقال : لمثل هذا فليعمل العاملون » . أَ ذلِكَ الذي ذكره من نعيم الجنة وهو مبتدأ وخبره خَيْرٌ و نُزُلًا تمييز والنزل في أصل اللغة الفضل والريع فاستعير للحاصل من الشيء والرزق الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه ، والخيرية بالنسبة إلى ما اختاره الكفار على غيره ، والمعنى : قل يا محمد لقومك على سبيل التوبيخ والتبكيت والتهكم : أذلك الرزق المعلوم الذي حاصله اللذة والسرور خير نزلا . أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ أي التي حاصلها الألم والغم ، قال الزجاج : المعنى أذلك خير في باب الإنزال التي يبقون بها نزلا أم نزل أهل النار ؟ وهو الزقوم وهو ما يكره تناوله ، قال الواحدي : وهو شيء مرّ كريه يكره أهل النار على تناوله فهم يتزقمونه فهي على هذا مشتقة من التزقم ؛ وهو البلع على جهد لكراهتها ونتنها ؛ واختلف فيها :